أنا فتاة منذ طفولتي لم أشعر بمعنى للحياة ؛ فقد حرمت من حنان الأب، وصحبة الأم ، والأخوة، وأصبحت الأيام تعدو كلها متشابهة، لا فرق بين الطفولة أو المراهقة أو الشباب، لم أشعر بما تشعر به أي فتاة، لا أشعر سوى بالحرمان والخوف والخجل وعدم الثقة بالنفس وبالناس، فقد حرمت من حنان الأب ودفء حضنه والإحساس بالأمان لجواره، بل بالعكس كان هو سبب خوفي في هذه الدنيا لا يتعامل معنا سوى بالضرب والإهانة والتخويف بالنظرات أو بالكلام؛ لأنه يرى أن دلال البنت يضيعها، ولكن على العكس حرماني من حنان أبي، جعلني محتاجة للحب، فبحثت عنه في عيون كل الرجال الذين قابلتهم في حياتي مدرسين ، أطباء، زملاء عمل، وكنت أحب دائماً الرجال الكبار في السن؛ لأني أشعر بالأمان لجوارهم والتحدث معهم، فأصبح أملي في هذه الحياة أن أدفن برأسي في صدر رجل قوي يحميني ويحبني، وأشعر بالحنان والأمان لجواره، أشعر بالضياع ولا يمنعني عن الحرام سوى الخوف من الله، لقد مرت 26 عاماً وأنا صابرة، ولكن هل أستطيع الصبر، أنام كل يوم وأنا ادفن بوجهي في وسادتي، أشعر بالحرمان والوحدة والخوف كلما أقبل الليل، وأنا أتخيل صديقاتي وقريباتي وهن في أحضان أزواجهن، وبين أولادهن فأبكي، وأحتسب صبري عند الله، ولكن لا أقدر أكثر من ذلك، فأنا أعاني حالياً من رقة بالقلب بسبب العصبية الزائدة، ومعروف علمياً أن احتضان الرجل للمرأة يحميها من مشاكل القلب، ولكن ليس بيدي، فطبيب القلب الذي يعالجني حاليا شاب عمره 33 سنة ، شعرت بحنانه وبقرب أنفاسه مني عند تخطيط القلب، فقبل فترة بسيطة جداً انهرت نفسياً، وارتميت بحضنه، لا أعرف كيف فعلت ذلك؟، لكن حرمان 26 سنة، هو ما جعلني أفعل ذلك، أخذت بالبكاء الشديد وأنا أدفن بوجهي أكثر فأكثر في صدره، كنت لا أريد الابتعاد عنه ، فهو كان في حالة استغراب، وأخذ يهدئني ، وإنا خرجت مسرعة، ولكنها أجمل دقيقتين في حياتي، أتمني أن أعود لمراجعته، ولأرتمي بين أحضانه، ولكن شيء ما يمنعني، أو يخيفني أو أشعر بالخجل من الدكتور ولكني أحببت دفء صدره .
فبالله عليكم انصحوني لطريق الخير، ماذا أفعل، أنا لا أريد أي كلام نظري، ولكن أتمنى أن تشعروا بحرماني من حب وحنان الرجال. مع خالص الشكر لمجهودكم.
د. علي بن عبدالله البكر - أستاذ علم النفس في جامعة الملك سعود
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد:
الأخت الكريمة: ما ذكرته عن طفولتك وشبابك وعلاقتك بوالديك متوقع أن يؤثر على مشاعرك وانفعالاتك، وقد ينعكس على سلوكك وهذا ما حدث لك مع الطبيب، وهنا يأتي دور الجانب العقلاني في الإنسان، وعدم الاستسلام للأفكار التي تنال من الذات بالقلق والخوف والشعور بالحرمان وضعف الثقة بالنفس، فنظرتك لذاتك أو للآخرين أو للحياة لابد أن تتغير بتغير الأفكار والاعتقادات التي تحكمها، فابدئي بالتعرف على طبيعة هذه الأفكار، وما تحمله من تشاؤم وضعف وخوف من الآخرين، وحاكمي هذه الأفكار، وأقنعي نفسك بأفكار بديلة وصحيحة تنطلق من مرجعية دينية.
إن الله كرم الإنسان وقواه بعقله، وذكره بأنه لا يتغير واقعه إلا إذا غير ما بنفسه، فتفاءلي وجدي واجتهدي؛ لأنك الآن امرأة قادرة مميزة مدركة، استمتعي بالجوانب الإيجابية المتوفرة لك من صحة وشباب وعمل وغيره، واسعي إلى طلب المزيد دون حزن وبكاء، وإنما إرادة وتفاؤل، وكما قيل كن جميلاً ترى الوجود جميلاً، استثمري قدراتك العقلية في استثمار حياتك وتمتعي بها دون الوقوف على الماضي والبكاء عليه .
وفقك الله لكل خير.